728 x 90



img

في العاشر من أكتوبر من كل عام، تحتفل منظمة الصحة العالمية (WHO) باليوم العالمي للصحة النفسية، وفي هذا العام 2018 أعلنت عن شعارها لهذا اليوم وهو "الشباب والصحة النفسية في عالم متغير" Young people and mental health in a changing world، وفي الحقيقة فإن الشباب هم عماد أي أمة من الأمم، فهم مستقبلها الذي تبني عليه طموحاتها وآمالها، وأي ضرر يلحق بهذه الفئة العمرية فإنه بلا شك يؤثر على مستقبل دولة بأكملها؛ ولذلك من المهم الاهتمام بهذه الفئة لتحقيق النهضة والتقدم.
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن، ما المرحلة السنية لفترة الشباب؟
هناك تباين في تحديد سن الشباب من مجتمع لآخر؛ بسبب اختلاف المجتمعات في الأوضاع الديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ففي بنغلاديش، يُنظر إلى الطفل الذي يذهب إلى المدرسة دون أي مسؤوليات اقتصادية أو اجتماعية على أنه طفل إلى أن يصل إلى سن البلوغ، ومع ذلك، لا يعد الأولاد أو البنات العاملات أطفالاً، حتى لو بدأوا العمل في عمر 6 سنوات (Patel, Flisher, Hetrick & McGorry, 2007)). وبحسب الأمم المتحدة فإن سن الشباب يبدأ من عمر 15 حتى عمر 24 عام، في حين أن ميثاق الشباب الأفريقي وضح بأن سن الشباب يتراوح من 15 إلى 35 عام. وغالبا ما يشار إلى مرحلة الشباب إلى الشخص الذي يتراوح عمره بين ترك التعليم الإلزامي وإيجاد وظيفته الأولى.
لماذا يجب الاهتمام بهذه المرحلة العمرية؟
هناك أسباب كثيرة تدفعنا للاهتمام بالصحة النفسية للشباب، سنذكر منها ما أفردته التقارير الدولية والدراسات البحثية في هذا الموضوع.
لقد توصلت البحوث إلى أن حوالي 50% من جميع اضطرابات الصحة الصحة النفسية على مدى العمر تظهر بحلول سن 14 عام، و 75% منها تظهر عند سن 24 عام (Kessler et al., 2005; McGorry et al., 2014; Aurstralia, 2017)، وبحسب تقرير لجنة الصحة النفسية في نيوزيلاندا عام 2011 فإن العديد من الاضطرابات النفسية تبدأ في مرحلة المراهقة، والاضطرابات أكثر انتشارًا في هذه الفئة العمرية مقارنةً بالبالغين.
ويؤيد هذا الكلام تقرير الصحة النفسية باستراليا عام 2016؛ حيث وُجِدَ أن هناك ارتباط إيجابي بين تقدم عمر الشاب واحتمالية حدوث مرض نفسي خطير؛ حيث ارتفعت نسبة الاحتمالية من 20.8% عند سن 15 عام إلى 27.4% في الفترة من 19 – 20 عام.
ونلاحظ من خلال هذه النتائج أن فترة المراهقة هي فترة حرجة في حياة الفرد؛ حيث تحدث تغيرات كبيرة على الصعيد النفسي والجسمي، ويواجه فيها الفرد العديد من التحديات سواء تحديات اجتماعية أو عاطفية أو أكاديمية، ولذلك فإن هذه المرحلة من العمر هي ذروة ظهور العديد من الاضطرابات النفسية التي تؤثر على حياته. وللأسف الشديد، إن لم نحسن التعامل مع الفرد وتقديم الدعم له في هذه المرحلة فإنه سيكون معرض بشكل كبير للانحراف؛ فبحسب منظمة الصحة العالمية فإن السبب الأول للوفاة بين الأفراد الذين تتراواح أعمارهم بين 15 و 29 عام هو تعاطي الكحول والمخدرات والتي ينتج عنها سلوكيات ضارة مثل ممارسة الجنس غير المشروع والتهور في القيادة واضطرابات الأكل، والسبب الثاني للوفاة هو الانتحار، بينما السبب الثالث هو الإصابة بالاكتئاب.
وبالطبع فإن هذه الإحصائيات هي ترجمة للتحديات الكبيرة التي يواجهها الشباب في مراحل حياتهم الأولى؛ حيث يتعرضون لضغوط كثيرة، منها: الضغوط الدراسية، والضغوط الاجتماعية، والضغوط الاقتصادية، والضغوط التكنولوجية، وبالتالي أصبح حماية الشباب من الاضطرابات النفسية بمثابة حماية لمستقبل دولة بأكملها؛ إذ أن الشباب هم الأعمدة الرئيسية التي يتم الاعتماد عليها من أجل تحقيق التقدم والرفاهية للمجتمع. وهناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الدولة ومؤسسات المجتمع المدني من أجل تحصين الشباب وزيادة مناعتهم ضد الاضطرابات النفسية. وفي حديثنا هنا سوف نركز على بعض الخطوات الوقائية الواجب القيام بها على المستوى الشخصي وعلى المستوى المجتمعي.
خطوات للوقاية من خطر التعرض للاضطرابات النفسية
على مستوى الفرد:
1- احصل على فترة كافية من النوم.
2- حاول قضاء وقتا كافيا مع الأهل والأصدقاء بعيدا عن الأجهزة الإلكترونية.
3- القيام بأشياء نافعة ومريحة للنفس، ولقد حدد الخبراء قائمة عامة تسمى قائمة السعادة اليومية، وهي مجموعة من الأنشطة التي يمكن للفرد أن يمارسها وتشعره بنوع من الارتياح؛ مثل: مساعدة محتاج، الابتسامة في وجه الآخرين، الاستمتاع بالوقت في التأمل "مشاهدة الشروق والغروب".
4- مارس الرياضة بشكل منتظم وبطريقة متوازنة؛ فلقد بينت الدراسات أن النشاط البدني يمكن أن يؤدي إلى إلى تحسين احترام الذات، على الأقل في المدى القصير (Biddle & Asare, 2011)، كذلك فإن الرياضة تفيد في حالات الإصابة بالقلق الحاد والاكتئاب (Palusk & Schwenk, 2000)، كذلك فإن ممارسة الرياضة تساعد في تحسين المزاج (Peluso & Andrade, 2005)
5- عبر عن مشاعرك الداخلية بحرية ودون خجل، ويفضل الإفصاح عنها أمام شخص موثوق ومقرب لديك.
5- كن واعيا بمصادر الضغوط التي يمكن أن تؤثر عليك سواء في المنزل أو في العمل، وهذا يمكنك من البحث عن وسائل للتخلص من تلك الضغوط أو تقليلها.
6- تعامل مع الضغوط بطريقة إيجابية، وخد باعتبارك أن المشكلات ما هي إلا فرص لاكتساب الخبرات في الحياة.
7- تعلم فنون حل المشكلات، واستراتيجيات التأقلم مع الظروف الصعبة، فلقد بينت دراسة أجراها Krahenmacher وزملائه عام 2013 أن هناك ارتباط بين استراتيجيات التأقلم وقوة الصحة النفسية لدى الفرد.
8- خطط ليومك جيدا، وضع أهداف قابلة للتحقق، فإن ذلك يشعرك بذاتك ويولد لديك مشاعر إيجابية تعزز من صحتك النفسية.
9- خالط أشخاص مرحين وحاول الابتعاد عن الذين يتشكون دائما وينظرون للأمور بنظرات سلبية.
10- إذا شعرت بعدم قدرتك على تجاوز مشكلة تعرضت لها، استشر المختص النفسي فورا لكي يزودك ببعض المهارات التي تساعدك في التعامل مع المشكلات الضاغطة.
على المستوى المجتمعي:
1- تقديم الدعم اللازم للشاب على المستوى العائلي.
2- توفير التدريب اللازم للمعلمين والوالدين ليكونوا قادرين على مساعدة الطفل والمراهق في بناءمهاراتهم الحياتية (مثل: الثقة بالنفس، المرونة النفسية، اتخاذ القرار ... إلخ) لمساعدتهم على التعامل مع تحديات الحياة اليومية التي تواجههم في المنزل والمدرسة.
3- دعم وتشجيع مؤسسات المجتمع المدني المعنية بالصحة النفسية على أداء دورها في تثقيف وتوعية المجتمع بقضايا الصحة النفسية، وسبل زيادة مستوى الصحة النفسية لدى أفراد المجتمع.
4- نشر حملات توعوية للقضاء على الوصمة المتعلقة بالاضطرابات النفسية، وتشجيع الشباب على الاعتراف بالاضطرابات النفسية والعمل على معالجتها، وكذلك حملات تهدف إلى التعرف على المؤشرات التي تدل على بداية تعرض الفرد للاضطرابات النفسية.
5- توفير أماكن علاج كافية للذين يعانون من اضطرابات الصحة النفسية.
6- تصميم برامج وقائية للشباب تتضمن كيفية الارتقاء بمستوى الصحة النفسية وتحقيق الصلابة النفسية التي تمكن الفرد من التعامل مع الضغوط النفسية بكفاءة وفاعلية.
7- تفعيل دور كل المدرسة والجامعة في الشراكة مع المؤسسات المعنية بالصحة النفسية من أجل تصميم برامج توعوية للطلاب تساهم في تعزيز مفهوم الصحة النفسية لديهم.
8- تدريب العاملين في مجال الصحة لتمكينهم من الاكتشاب المبكر لاضطرابات الصحة النفسية وكيفية التعامل معها.
9- توفير برامج لرفع الوعي بين المراهقين والشباب حول طرق العناية بصحتهم العقلية.
المصادر:

Biddle, S. J., & Asare, M. (2011). Physical activity and mental health in children and adolescents: a review of reviews. British journal of sports medicine, bjsports90185.
Patel, V., Flisher, A. J., Hetrick, S., & McGorry, P. (2007). Mental health of young people: a global public-health challenge. The Lancet, 369(9569), 1302-1313.
Charter, A. Y. (2006). Adopted by the seventh ordinary session of the assembly, held in Banjul. The Gambia on 2nd July.
Australia, M. (2017). Youth mental health report: Youth survey 2012–2016. Mission Australia in collaboration with the Black Dog Institute Google Scholar.
Peluso, M. A. M., & Andrade, L. H. S. G. D. (2005). Physical activity and mental health: the association between exercise and mood. Clinics, 60(1), 61-70.
Prepared for the Mental Health Commission August 2011 Mental Health Commission PO Box 12479, Wellington, New Zealand
Krattenmacher, T., Kühne, F., Führer, D., Beierlein, V., Brähler, E., Resch, F., ... & Möller, B. (2013). Coping skills and mental health status in adolescents when a parent has cancer: a multicenter and multi-perspective study. Journal of Psychosomatic Research, 74(3), 252-259.
Paluska, S. A., & Schwenk, T. L. (2000). Physical activity and mental health. Sports medicine, 29(3), 167-180.
World mental health day 2018; Young people and mental health in a changing world. Published at: http://www.who.int/mental_health/world-mental-health-day/2018/en/